صديق الحسيني القنوجي البخاري

95

أبجد العلوم

وآداب العالم والمتعلم وطريق الدرس واقتناء الكتب وغيرها اشتمالا نافعا فمن شاء الزيادة فعليه به ، وباللّه التوفيق . * * * الفصل التاسع في حالة العلماء اعلم أن العلم له حقائق لغوية : وهو ضد الجهل . واصطلاحية : وهي كما قيل : من جمع بين علم المعقول والمنقول . وكما قيل : من تمكن من إثبات المسائل بأدلتها عن علم وثبت . وعرفية : وهي كل من اشتغل بتحصيل العلم ولو كان على جهة التقليد أو الشروع في التحصيل . فيطلق العالم على من تعلم النحو والصرف أو الفقه أو جميعها . وليس مرادي إلا من تمكن من إثبات المسائل بأدلتها عن علم وثبت . فيشمل من عرف جميع الآلات وعرف الكتاب والسنة فإنه يتمكن من إثباتها على ذلك الوجه . وعلوم العقل لا دخل لها في الشريعة ، وإن العالم بها لا يدخل في مفهوم « العلماء ورثة الأنبياء » واللّه تعالى قد أغنانا عن الكتب السابقة التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام بما أنزله إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجمع فيه كل خير واحتوى على كل فضيلة لفظا ومعنى وعلما وحكمة وغير ذلك ، فكيف نرجع إلى كتب الحكماء لا نعلم أذلك عنهم من ذات أنفسهم أو عن وحي إلى رسول منهم ؟ وأول ما خرج ذلك في دولة بني العباس ، وأكثر من أخرجه المأمون ووقع الاشتغال به والمحن والفتن وهلك به جماعة أوقعهم في الكفر والزندقة ، واشتغل به المأمون حتى أنه أرسل إلى ملك الفرنج وذكر له أن مراده في الكتب التي لديهم ، وعرّبوها له ونبش لحد كسرى من أجل أنه قيل له : إن في قبره تابوتا فيه من كتب القدماء . على أنه لو كان لا بدّ منه في العلم لكان الصحابة كلهم ليسوا بعلماء لأنهم لم يعرفوا علوم المعقول ، وكذا من بعدهم من التابعين ومن تبعهم ولا قائل به في العالم ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « نحن أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب » . وأما العرف فغير معمول به ، لأنه إذا اشتغل بفن وعرفه سمي في العرف عالما وليس هو من العلم في شيء لأنه لا ينتفع به في الدين أصلا ، ولا يقدر أن يعمل بفرع من فروع الشريعة بنفس ذلك الفن كالنحو وغيره . وإنما تلك الفنون آلة للكتاب والسنة ، فمن اشتغل بها ولم يتوصل بها إلى تلك الأمور فهو كمن أحكم السّلّم ولم يرتق عليه إلى محل مرتفع